بدر بن ناصر البدر

77

أبو حيان و تفسيره البحر المحيط

* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها « 1 » : « وقد تكلم المفسرون هنا في حقيقة النسخ وأقسامه ، وما اتفق عليه منه ، وما اختلف فيه ، وفي جوازه عقلا ووقوعه شرعا ، وبما ذا ينسخ ، وغير ذلك من أحكام النسخ ودلائل تلك الأحكام وطولوا في ذلك ، وهذا كله موضوعه موضوع علم أصول الفقه ، فيبحث في ذلك كله فيه . وهكذا جرت عادتنا أن كل قاعدة في علم من العلوم يرجع في تقريرها إلى ذلك العلم ، ونأخذها في علم التفسير مسلمة من ذلك العلم ، ولا نطول بذكر ذلك في علم التفسير ، فنخرج عن طريقة التفسير ، كما فعله أبو عبد اللّه محمد بن عمر الرازي المعروف بابن خطيب الري ، فإنه جمع في كتابه في التفسير أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير ، ولذلك حكي عن بعض المتطرفين من العلماء أنه قال : فيه كل شيء إلا التفسير . وقد ذكرنا في الخطبة ما يحتاج إليه علم التفسير ، فمن زاد على ذلك فهو فضول في هذا العلم . ونظير ما ذكره الرازي وغيره أن النحوي مثلا يكون قد شرع في وضع كتاب في النحو فشرع يتكلم في الألف المنقلبة ، فذكر أن الألف في « اللّه » أهي منقلبة من ياء أو واو ، ثم استطرد من ذلك إلى الكلام في اللّه تعالى فيما يجب له ، ويجوز عليه ، ويستحيل ، ثم استطرد إلى جواز إرسال الرسل منه تعالى إلى الناس ، ثم استطرد إلى أوصاف الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ثم استطرد من ذلك إلى إعجاز ما جاء به القرآن وصدق ما تضمنه ، ثم استطرد إلى أن من مضمونه البعث والجزاء بالثواب والعقاب ، ثم المثابون في الجنة لا ينقطع نعيمهم ، والمعاقبون في النار لا ينقطع عذابهم . فبينما هو في علمه يبحث في الألف المنقلبة إذا هو يتكلم في الجنة والنار . ومن هذا سبيله في العلم فهو من التخليط والتخبيط في أقصى الدرجة ،

--> ( 1 ) سورة البقرة ، من الآية 106 ، وتمامها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .